عمران سميح نزال
83
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
وإذا كنا لا ننفي الاستثناء كلية ، فإننا لا ندّعيه ولا نقول به إلا ببينة راجحة ، وهذا الاستثناء لو صح لا يمنع من معرفة الأصل ولا يلغيه ، وهو تاريخ نزول السورة ، وهذا ممكن تحقيقه من معارف ترتيب النزول ومن ترتيب المعاني أو الوحدة الموضوعية التي تناولتها السورة نفسها ، سواء كانت مكية أم مدنية ، وسواء كانت مما نزل في أوائل العهد المكي أو أواسط العهد المدني أو غيرها ، أي أن مفهوم الوحدة التاريخية للسور القرآنية يعني : لكل سورة من القرآن الكريم مدة زمنية استغرقت في نزولها ، وهذه المدة الزمنية واحدة من حيث تاريخ بدايتها ونهايتها ، سواء كانت سورة قصيرة أم طويلة ، والاجتهاد في تحديد المدة الزمنية التي نزلت فيها السورة القرآنية ممكن للسورة كاملة أو لمعظمها ، ولو نزلت دفعة واحدة أو استغرقت الأيام أو الأسابيع أو الأشهر أو السنين . وهذا ينطبق على كل السّور سواء أكانت مكية أم مدنية ، فهذه المدة التاريخية التي اكتمل فيها نزول السورة كلها هي وحدة زمنية وتاريخية واحدة مهما طالت أو قصرت ، إذ إن معنى كلمة الوحدة : ( وحد : الواو والحاء والدال أصل واحد يدل على الانفراد . من ذلك الوحدة ، وهو واحد قبيلته إذا لم يكن فيهم مثله ) « 1 » ، فالوحدة التاريخية ما تنفرد به السورة الواحدة من تاريخ بدايتها إلى نهايتها ، والخطوات الأساسية لمعرفة الوحدة التاريخية لأي سورة قرآنية هي : 1 - المعرفة التاريخية بالوحدة التاريخية للقرآن الكريم كله ، فلا تخرج وحدة تاريخية لأي سورة قرآنية عن وجودها في الوحدة التاريخية للقرآن كله ، أي نزولها في العهد النبوي الشريف ، وفي حياة النبي عليه الصلاة والسلام ، وفي المدة الزمنية التي نزل فيها القرآن الكريم مفرّقا في عقدين من الزمان تقريبا ، من اليوم الأول من البعثة المحمدية ، وحتى وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ، فلا يوجد آيات قرآنية نزلت قبل نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ولا بعد فاته . 2 - الاعتماد على ترتيب راجح لنزول سور القرآن الكريم ، وهذا الاجتهاد قد يكون تابعا لاجتهاد سابق أو معدّلا عليه أو جديدا ، بناء على دراسة علمية تاريخية موثقة .
--> ( 1 ) معجم المقاييس في اللغة ، لابن فارس 1084 .